| التفكير ما وراء المعرفي
ظهر مفهوم "استراتيجيات فوق معرفية" في نهاية السبعينيات ، وتطور في الثمانينيات، ليضيف بعداً جديداً في علم النفس المعرفي، ويفتح آفاقاً واسعة للدراسات في موضوعات الذكاء، والتفكير، ومهارات التعلم. وعند مقارنة الأفراد العاديين والموهوبين مع ذوي القدرات العقلية المتدنية أظهرت الدراسات أن الأفراد من ذوي القدرة العقلية المتدنية يكررون تصرفاتهم بدون وعي لما يجب تعلمه أو اتباعه من استراتيجيات وأساليب لحل المشكلات، كما أن إدارتهم لأنفسهم وسلوكياتهم غير فعالة مقارنة بالعاديين أو الموهوبين (الأعسر، 1998).
ويعرف ستيرنبرج (1993، Sternberg) مهارات التفكير ما وراء المعرفي بأنها عمليات تحكم، وظيفتها التخطيط للمهام، والمراقبة والتقييم لأداء الأفراد في حل المشاكل، ومهارات تنفيذية مهمتها توجيه وإدارة مهارات التفكير المختلفة العاملة في المشكلة، وإحدى أهم مكونات الأداء الذكي، أو معالجة المعلومات.
وعلى الرغم من تباين التعريفات التي وضعها علماء النفس لمفهوم التفكير ما وراء المعرفي، إلا أن معظم التعريفات تشترك في إبراز أهمية الدور الذي تلعبه مهارات التفكير ما وراء المعرفي بطريقة تجمع أهم العناصر المشار إليها سابقاً على النحو الآتي: مهارات عقلية معقدة تعد من أهم مكونات السلوك الذكي في معالجة المعلومات، وتنمو مع التقدم في العمر والخبرة، وتقوم بمهمة السيطرة على جميع نشاطات التفكير العاملة الموجهة لحل المشكلة، واستخدام القدرات أو الموارد المعرفية للفرد في مواجهة متطلبات التفكير
حيث أن التفكير ما وراء المعرفي يستدعي أرقى أنواع عمليات التفكير، إذ إن عمليات التفكير المختلفة تشمل عمليات تفكير أساسية مثل المعرفة والاستدعاء، والفهم والاستيعاب،والملاحظة، والتطبيق، والمقارنة، والتصنيف، وتشمل عمليات تفكير مركبة مثل التفكير الناقد والتفكير الإبداعي، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات، ومن ثم يليها عمليات التفكير ما وراء المعرفي وهي ما وصفت بأنها أعلى مستويات التفكير.
والتفكير يبدأ بعمليات عقلية أساسية مثل: المعرفة والاستدعاء والفهم والاستيعاب والملاحظة والتطبيق والمقارنة والتصنيف، وهذه العمليات تبدأ تتطور لدى الأفراد بشكل تطوري مع المراحل العمرية كما هو في مراحل (بياجيه)، وتعد متطلباً ضرورياً لعمليات التكفير المركبة التي تتطلب عمليات عقلية مركزة تحتاج إلى بحث وتعمق واستنباط واستقراء وتقويم وتخيل وأصالة ومرونة وطلاقة وتحليل وتركيب وتحديد الأهداف وعصف ذهني وتقويم الحلول المختلفة، ثم يليها عمليات تفكير ذات مستوى عال مثل مهارات فوق معرفية والتي تشتمل على مهارات التخطيط والمراقبة والتقييم .
أهمية استراتيجيات التفكير ما وراء المعرفي في التعلم ـ التعليم:
إن لاستراتيجيات التفكير ما وراء المعرفي أثراً إيجابياً مهماً في المعرفة، فقد أشار ستيرنبرج (1984، Sternberg) إلى الأهمية القصوى لمهارات التفكير ما وراء المعرفي في معالجة المعلومات حيث إن الذكاء يندمج مع العمليات الذهنية ما وراء المعرفية، واعتبار أن أي تفكير هادف يتضمن مهارات معرفية وما وراء معرفية، وبالتالي لا يجوز إهمالها. ويعتقد أيضاً أن استراتيجيات التفكير ما وراء المعرفي تساعد الطلبة على إظهار العمليات المعرفية، التي توجههم إلى محاولة اكتساب المعرفة وتساعدهم أيضاً على حل المشكلات التي تواجههم في حياتهم.
مهارات التفكير ما وراء المعرفي:
مكونات التفكير ما وراء المعرفي تختلف باختلاف العلماء الذين ناقشوها، حيث صنف ستيرنبرج (1992، Sternberg) استراتيجيات التفكير ما وراء المعرفي ضمن الفئات الثلاث الآتية:
1- التخطيط Planning
ويتضمن عمليات تحديد الهدف المتعلق بمشكلة، وتحديد طبيعة المشكلة، وما يناسبها من استراتيجيات، وتشمل هذه الإستراتيجية على المهارات الفرعية التالية:
أ- عملية تحديد الهدف بكل دقة ممكنة.
ب- اختيار إستراتيجية التنفيذ المنوي إتباعها.
ج- ترتيب تسلسل العمليات أو الخطوات.
د- تحديد العقبات والأخطاء المحتملة.
ه- تحديد أساليب مواجهة الصعوبات والأخطاء.
و- التنبؤ بالنتائج المرغوبة أو المتوقعة.
ز- القدرة على إدارة الوقت اللازم لتنفيذ المهمة المخطط لها.
2- المراقبة Monitoring:
وتتضمن العمليات المرافقة للتفكير أثناء قيام الفرد بتنفيذ المهمات وتشتمل على المهارات الفرعية التالية:
أ- الوعي بالتقدم في عملية التعلم والتعبير عنها لفظياً.
ب- التعبير عن عمليات التفكير التي يقوم الفرد بها.
ج- تحديد موقع الفرد بالنسبة للإستراتيجية التي اختارها لحل المشكلة.
3- التقويم Evaluation :
وتتعلق بالعمليات التي تصاحب التفكير بعد انتهاء الفرد من أداء المهمة التي أوكلت إليه، وتشتمل على المهارات الفرعية التالية:
أ- تقييم الفرد لأدائه وفق معايير تم اعتمادها سلفاً في التخطيط.
ب- مقارنة وقت أداء المهمة مع الوقت المحدد في التخطيط.
ج- تقييم ما إذا سيكون التعلم أفضل في حال إتباع إستراتيجية أخرى .
لقد أشارت دراسات تربوية عديدة إلى أن عمليات التفكير ما وراء المعرفي تسهم في فهم المشكلات الأكاديمية للطلبة بطيء التعلم وتحسن من أدائهم وتسهم أيضاً في تحسين أداء الطلبة من فئة التحصيل العالي مع زيادة قدرتهم على ربط المعلومات الجديدة بالمعلومات السابقة
الاستراتيجيات التي تعمل على تطوير مهارات التفكير ما وراء المعرفي:
تعد استراتيجيات التدريب على مهارات التفكير ما وراء المعرفي من أهم الاستراتيجيات التي تعمل على تنمية التفكير لدى الطلبة، وتعمل على رفع مستوى الوعي لطبيعة الأهداف والمهمات التعليمية، وزيادة ضبط المتعلم لتعلمه عن طريق اتخاذ القرارات الفاعلة، وتحسين الاتجاهات بحيث تصبح أكثر إيجابية نحو التعلم وتجعل الطالب أكثر استقلالية في تعلمه وذلك بالتشخيص والتغلب على الصعوبات باستغلال الأوقات والمساهمة في التخطيط للنشاطات بتمعن وتفكر
ويشير الأدب التربوي إلى أن التفكير ماوراء المعرفي يتضمن عدة إستراتيجيات يراعى في اختيارها ما يقتضيه الموقف التعليمي، أو ما يتناسب مع المادة الدراسية، والمرحلة العمرية للطلبة ومن ذلك :
أولاً: النمذجة مع التوضيح:
التعلم بالقدوة من أنجح أساليب التعلم وأكثرها فاعلية عندما يقترن بإيضاحات أو تعليقات يقدمها النموذج أو القدوة أثناء قيامه بالعمل.
ويتلخص دور المعلم في إبراز مهارات التفكير ماوراء المعرفية عن طريق إيضاح سلوكاته أثناء قيامه بحل المشكلة، وبيان الأساليب وراء اختيار كل خطوة، وكيفية تنفيذ كل عملية، أما في الحالات التي لا نريد فيها أن يعطي الإجابة أو لا يعرفها، فإنه يستطيع أن يقود طلبته في التخطيط للوصول إلى الإجابة، ومن ثم تنفيذ الخطة مع إيضاح الأساليب والكيفية التي تحقق بها الهدف.
وتبرز أهمية أسلوب النمذجة من خلال الأمور الآتية:
- أن للمعلم دوراً بارزاً في تعليم مهارات التفكير ماوراء المعرفي عن طريق توضيح الإستراتيجية للطلبة.
- أن لهذه الإستراتيجية دوراً كبيراً في النجاح على مستوى الحياة المهنية أو العملية، ولا سيما مهارة التخطيط المسبق للعمل، والتقييم اللاحق له، وهما بمنزلة صمامي أمان لتوجيه ومراقبة سير العمل أو النشاط.
- أن للنمذجة أهمية كبرى كطريقة فعالة في ديمومة التعلم والتعليم (جروان 2008).
ثانياً:إستراتيجية الأسئلة الذاتية:
تعتبر هذه الإستراتيجية من الإستراتيجيات التي يقوم فيها المتعلم بصياغة الأسئلة الذاتية عن مدى ما تعلمه عن موضوع معين، ومدى استيعابه له، وتحديد نقاط القوة والضعف، فالمتعلم النشط هو الذي ينظم تعلمه ذاتياً، بحيث يكون قادراً على تشكيل أسئلة خاصة به، وبذلك يكون متحكماً في تفكيره، قادراً على توجيهه الوجهة الصحيحة، وتعتبر مهارة الأسئلة الذاتية من مهارات تقويم الذات أو الحكم على الذات.
ثالثاً: التحدث حول التفكير:
إن التحدث حول التفكير مهم؛ لأن الطلبة بحاجة إلى مفردات للتفكير، فخلال مواقف التخطيط وحل المشكلة على المعلمين أن يفكروا بصوت عال بحيث يستطيع الطلبة متابعة عرض عمليات التفكير، فالنقاش يطور المفردات التي يحتاجها الطلبة للتفكير والتحدث حول أفكارهم الخاصة، ومن الضروري أن يتعرف الطلبة إلى اسم مهارات التفكير التي يستخدمونها.
رابعاً: تلخيص عملية التفكير:
تقوم هذه الإستراتيجية على تفعيل الحوار بين الطلبة حول مهارات التفكير اللازمة لتطوير وعيهم للإستراتيجيات التي يمكن تطبيقها في مواقف تعليمية أخرى، وإحدى الطرق الفعالة تتكون من الخطوات الثلاث الآتية:
1- يقوم المعلم بقيادة الطلبة لمراجعة الأنشطة وجمع البيانات حول عمليات التفكير.
2- تقوم المجموعة بتصنيف الأفكار المتشابهة وتحديد إستراتيجيات التفكير المستخدمة .
3- يقيم الطلبة نجاحهم، بحذف الاستراتيجيات غير الملائمة، وتحديد تلك الاستراتيجيات التي يمكن استعمالها مستقبلاً.
خامساً: التفكير بصوت مرتفع:
وهذا يتطلب من المعلم أن يفكر بصوت مرتفع أثناء حل المسألة كي يستطيع الطلبة تطبيق أسلوب التفكير نفسه، حيث أن النمذجة والمناقشة وطرح الأسئلة الذاتية تعمل على تطوير الكلمات التي يحتاجها الطلبة للتعبير عن أفكارهم الخاصة، وفيها يعبر المعلم أو الطالب لفظياً عن أفكاره أثناء حل مسألة أو التخطيط للعمل، وهي شكل من أشكال النمذجة الفكرية العقلية، ويعتبر التفكير بصوت عال مناسباً عندما يكون التركيز على التخطيط الذهني والتنظيم والتقييم إن التفكير بصوت عال يزود الطلبة بنظرة داخلية لأفكار المرء فهو ليس تفسيراً ، بل يعد تعبيراً لفظياً عن أفكاره (جروان، 2008).
إن المعلم المتميز الحاذق هو المعلم القادر على إثارة القوى العقلية عند التلاميذ وتحفيزها، وجعل التلاميذ في نشاط عقلي مستمر
|